محمد حسين علي الصغير
67
الصوت اللغوى في القرآن
ويشبه بمراوحة الزامر أنامله على خروق الناي لسماع الأصوات المتنوعة والمتشعبة بحسب تغييره لوضع أنامله لدى فتحتات المزمار ، « فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة ، وراوح بين أنامله ، اختلفت الأصوات ، وسمع لكل منها صوت لا يشبه صاحبه ، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم ، باعتماد على جهات مختلفة ، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة » « 1 » . وكذلك تعقيبه على هذا التمثيل في إحداث الصوت بالنسبة لأوضاع أجهزة الصوت ، بتشبيهه ذلك بوتر العود ، وكيفية ضربه ببعض أصابع اليسرى أو جسّه في اليمنى مما يحدث أصواتا مختلفة عند تلقى الأذن لذلك ، فتتذوق من خلال ذلك جوهر الصوت ، كما تتذوقه في أصوات الحروف تبعا للرقة والصلابة في الوتر ، وكذلك الحال بالنسبة للوترين الصوتيين في جهاز النطق الصوتي عند الإنسان ، يقول : « ونظير ذلك أيضا وتر العود ، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل سمعت له صوتا ، فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه ، أدى صوتا آخر ، فإن أدناها قليلا ، سمعت غير الاثنين ، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر غفلا غير محصور ، تجده بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور ، أملس مهتزا ، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر وصلابته ، وضعفه ورخاوته ، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق ، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق ، وجريان الصوت فيه غفلا غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة ، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع ، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا » « 2 » . إن ما أبداه ابن جني من تفصيل تمثيلي دقيق لجهاز النطق عند الإنسان وأثر انطلاق الهواء مضغوطا وغير مضغوط في إحداث الأصوات مختلفة بحسب إرادة الناطق أو المصوّت : هو ما تبناه علم الأصوت
--> ( 1 ) ابن جني ، سر صناعة الإعراب : 1 / 9 . ( 2 ) المصدر نفسه : 1 / 9 - 10 .